ابن عطية الأندلسي
192
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقرأ جمهور الناس « ما ننسخ » بفتح النون ، من نسخ ، وقرأت طائفة « ننسخ » ، بضم النون من « أنسخ » ، وبها قرأ ابن عامر وحده من السبعة ، قال أبو علي الفارسي : ليست لغة لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى ، ولا هي لتعدية لأن المعنى يجيء ما نكتب من آية أي ما ننزل فيجيء القرآن كله على هذا منسوخا ، وليس الأمر كذلك ، فلم يبق إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا ، كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محمودا أو بخيلا ، قال أبو علي : وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه اللّه : وقد خرج قراءة هذه القراءة المعنى على وجهين أحدهما أن يكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله ، فيجيء الضميران في مِنْها و مِثْلِها عائدين على الضمير في نُنْسِها ، والمعنى الآخر أن يكون نَنْسَخْ من النسخ بمعنى الإزالة ويكون التقدير ما ننسخك أي نبيح لك نسخه ، كأنه لما نسخها اللّه أباح لنبيه تركها بذلك النسخ ، فسمى تلك الإباحة إنساخا ، و ما شرطية وهي مفعولة ب نَنْسَخْ ، و نَنْسَخْ جزم بالشرط . واختلف القراء في قراءة قوله نُنْسِها ، فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر وجمهور من الناس « ننسها » بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين وترك الهمزة ، وهذه من أنسى المنقول من نسي ، وقرأت ذلك فرقة كما تقدم إلا أنها همزت بعد السين ، فهذه بمعنى التأخير ، تقول العرب أنسأت الدين وغيره أنسؤه إنساء إذا أخرته ، وقرأت طائفة « أو ننسها » بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين ، وهذه بمعنى الترك ، ذكرها مكي ولم ينسبها ، وذكرها أبو عبيد البكري في كتاب اللآلي عن سعد بن أبي وقاص ، وأراه وهم ، وقرأ سعد بن أبي وقاص « أو تنسها » على مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم ونون بعدها ساكنة وفتح السين ، هكذا قال أبو الفتح وأبو عمرو الداني ، فقيل لسعد إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب ، وتلا سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 24 ] ، وقرأ سعيد بن المسيب فيما ذكر عنه أيضا « أو تنسها » بضم التاء أولا وفتح السين وسكون النون بينهما ، وهذه من النسيان ، وقرأ الضحاك بن مزاحم وأبو رجاء « ننسّها » بضم النون الأولى وفتح الثانية وسين مكسورة مشددة ، وهذه أيضا من النسيان . وقرأ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وابن عباس وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعبيد ابن عمير وابن كثير وأبو عمرو « ننسأها » بنون مفتوحة وأخرى بعدها ساكنة وسين مفتوحة وألف بعدها مهموزة ، وهذه من التأخير ، تقول العرب : نسأت الإبل عن الحوض أنسؤها نسأ أي أخرتها ، وكذلك يقال : أنسأ الإبل إذا زاد في ظمئها يوما أو يومين أو أكثر من ذلك بمعنى أخرها عن الورد ، وقرأت فرقة مثل هذه القراءة إلا أنها بتاء مفتوحة أولا على مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم وإسناد الفعل إليه ، وقرأ أبو حيوة مثل ذلك إلا أنه ضم التاء أولا ، وقرأ أبي بن كعب « أو ننسك » بضم النون الأولى وسكون الثانية وسين